ابن أبي العز الحنفي
426
شرح العقيدة الطحاوية
جلودهم في مشيئة اللّه ، لأنهم يخرجون « 593 » عن مشيئته ، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود « 594 » ، كما في قوله تعالى : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا الاسراء : 86 ، وقوله تعالى : فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ الشورى : 24 ، وقوله : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ يونس : 16 . ونظائره كثيرة ، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته ، ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن . وقيل : إن « ما » بمعنى « من » أي : إلا من شاء اللّه دخوله النار بذنوبه من السعداء « 595 » . وقيل غير ذلك . وعلى كل تقدير ، فهذا الاستثناء من المتشابه ، وقوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ هود : 108 ، محكم . وكذلك قوله تعالى : إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ص : 54 . وقوله : أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها الرعد : 35 . « 596 » وقوله : وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ الحجر : 48 . وقد أكد اللّه خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن ، وخبر أنهم : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى ، الدخان : 56 ، وهذا الاستثناء منقطع ، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى : إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ هود : 108 - تبين أن المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود ، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت ، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية ، وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها . والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة : كقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت » « 597 » . وقوله : « ينادي مناد : يا أهل الجنة ، إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وأن تشبّوا فلا تهرموا أبدا ، وأن تحيوا
--> ( 593 ) في الأصل : لا أنهم يخرجون . الجنة الصواب فليراجع « رفع الاستار » . ( 594 ) قال عفيفي : انظر « مجموع الفتاوى » ص 48 ج 2 . ( 595 ) في الأصل : الشعراء . ( 596 ) قال عفيفي : انظر ص 251 من « حادي الأرواح » . ( 597 ) مسلم ، وهو مخرج في « الصحيحة » ( 1086 ) .